السيد علي عاشور

167

ماذا قال علي ( ع ) عن آخر الزمان

الذئاب ، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا » « 1 » . فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما ، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء ، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا . وجعل حشوه الصخر ، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزير الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد . فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس ، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون ، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية ، ويحكمون بالعدل ويتراحمون ، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة ، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة ، وقلوبهم متآلفة ، وسيرتهم مستوية ، وقبورهم بأبواب بيوتهم ، وليس على بيوتهم أبواب ، وليس عليهم أمراء ، وليس بينهم قضاة ، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف ، ولا يختلفون ولا يتفاضلون ، ولا يتنازعون ، ولا يستبّون « 2 » ، ولا يقتلون ، ولا يضحكون ، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس ، وهم أطول الناس أعمارا ، وليس فيهم مسكين ولا فقير ، ولا فظ ولا غليظ . فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال : « أخبروني أيّها القوم خبركم ، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها ؛ برّها وبحرها ، وشرقها وغربها ، فلم أر أحدا مثلكم ، فخبّروني خبركم » . قالوا نعم : فسلنا عمّا تريد . قال : « خبّروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم ؟ » . قالوا : عمدا فعلنا ذلك ، لئلا ننسى الموت ، ولا يخرج ذكره من قلوبنا .

--> ( 1 ) جامع البيان للطبري : 16 / 26 بتفاوت ، ولم ينسبه لأمير المؤمنين عليه السّلام . ( 2 ) أي يسب بعضهم بعضا .